dimanche 30 janvier 2011

ثلاث سنوات من البرد

"لا أحد يا حبيبتي يفهم طفولتي.. فأنا أنتمي إلى مدينة لا تحب الأطفال..و لا تعترف بالبراءة و لم يسبق لها أن اشترت وردا..أو ديوان شعر " نزار قباني

خطوة و خطوة و خطوة و شتان بين الخطوات آخرها اعتصار للحسرة.. هي خطوات أمشيها كل يوم على قدماي كي اصعد درجا كبيرا يشبه ذاك الذائع في محاكم المملكة ثم ألج مقر عملي عبر باب كبير من خشب زُخْرف بعناية و كأنه باب لدخول الفاتحين، لدخول قصر أندلسي كقصر الحمراء.. تمنيت لو خطت جملة بجوار نقوش الجبس في سقف الباحة هي "لا غالب إلا الله" كما نقشتها على روحي منذ أول مرة وطئت هذا المكان من ثلاث سنوات.

"لا غالب إلا الله" توقع للهزيمة و تسليم أمري كاملا لله تماما كما فعل بنو الأحمر في قصور غرناطة.

مرت ثلاث سنوات على التحاقي بعملي الجديد، كانت مرحلة لا علاقة لها بما مضى من حياتي. تغيرت الوجوه و الملامح، القلوب و العقول.. زملائي أجساد متحركة تنتمي لمنظومة غير منظومتي، تعرفي عليهم كان يشبه الصدمة.. أنا الفتاة الحيوية صاحبة المشاعر الحية والجياشة وجب علي ابتلاع حرارتي الإنسانية فلبست الصقيع و احترفت الجباية.

عندما جمعت أغراضي من مكتبي القديم بعملي الأقدم ودَّعني زملائي القدامى و قال لي أحدهم" أنا متأكد انك لن تجدي صعوبة في حياتك الجديدة.. لكن أخبريني ماذا تفعلين كي تكسبي احترام و ود الجميع؟"، أجبته دون سابق تفكير" فقط أعامل الناس بفطرتي.." علمت فيما بعد أن من يفعل ذلك لا يكون إلا مهرجا و أحيانا كثيرة أحمقا و أخرقا..

كل الفصول خارج هذا المكان تأتي و تروح لكن الشتاء هنا مقيم لا يبرح.. محاصر و محتجز حتى إشعار آخر..

اليوم الريح تصفر بشكل لم أعهده .. و الريح لا تصفر إلا في الفارغات..

قبل أن أدخل من البوابة توجهت نحو بائع الورد على الجانب الآخر للشارع، كانت الوردات غافيات على أحلامهن نشدن دفئا داخليا افتقدنه في غياب الشمس..

طلبت منه أن يشكل تسع باقات من ورد أحمر و زهري.. قلت له مداعبة "ورداتك كسولات لم يستيقظن بعد" فأخبرني انه بفعل البرد..

حالي اليوم يشبه ما وضعته الطبيعة في طريقي، تلك الوردات غافيات بفعل البرد لكنهن منكمشات على أنفسهن على ذواتهن كي لا يسمع صفير الريح داخلهن فصفير الريح لا يسمع إلا في الأجوف..

و كما دخلت احمل ورودا في قلبي في الثاني من يناير سنة ألفين و خمسة اليوم احملها بين يدي.. تأملت لثواني الثريا النحاسية الضخمة المتدلية من السقف و تعجبت كيف أنها بسبعين مصباحا و لا يكاد ضوءها ينير..

أهديت الورد لزملائي، أكنت كمن يرميه لجثث غرقى أو كمن يواسي مرضى أو كمن يزور قبور موتى..؟

بل أردت أن احمل الربيع إلى ثغور الشتاء..أردت أن احمل الورد إلى معاقل الهزيمة التي هي حتما منابت نصر و لو بعد حين..

الجباية و الكتابة عالمان يتجاذباني بلا رحمة، في الأول القسوة حتمية و في الثاني الرقة قطعية..

و للمكان وجـ ـع..


نزهة 02/01/2008

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire