samedi 6 août 2011

ليلة الجـُّـب






إنها ليلة اكتمال القمر بدرا في شهر من شهور السنة بتقويم غابر.. ليلة منتظرة كتلك المقدسة في شرائع ما..
الليلة هي ليلة الجب و الحكايات.. ليلة تجتمع فيها القبيلة لتمارس أقدم طقس على الإطلاق.. و لهم فيها مآرب أخرى..


القمر تربع على عرش السماء.. الحشد ملتفون حول جب القرية حلزونيا.. و الكل يغمغم بأشياء و أحاديث لا تكاد تنتهي..


كل واحد يروي للجب حاله و مآله.. حديث السنوات العجاف و الأخرى السمان، يرمون بقصصهم في جوف الجب ليتخلصوا منها.. تهوي حصى أو حجرا أو صخرا كبيرا يُسمع ارتجاجه، مصافحته أو لطمه لمياه الجب كما لطم ساعة الحدوث أصحابَها..


ينكثون ما غزلوا من خطايا: زنا العقل، خيانات الأرض و العرض، و فواحش القهر..غزلوها بمغزل الكتمان و المواراة لليلة كهذه.. فيها ينفض السواد الكامن و المتمكن في دواخلهم..


القمر في عليائه يَمُدّّ لحظات الرضا و الراحة و يزجر أيام الشقاء النفسي و الألم كما يفعل بمياه البئر.. لتعلو و تعلو و تفيض فيتوقفون، يستكينون و يهدؤون..
لقد ناء الجب بحِمل كوارثهم، جرائمهم و عذابات ضمائرهم.. كيف حَوَتْ صدورهم كل ذلك الغيظ و الفيض من المآسي الإنسانية؟ كيف حيا الظلم و سكنت المَظْلُمات داخل قلوبهم؟..


فاض الجب و هي اللحظة المنتظرة، الطقس في أعلى مراجله.. صمت مهيب خيم و سكون بعد "عناء" الاعتراف و المكاشفة. أبدوا سوءاتهم مع سبق اصرار و كامل إرادة..
و مرة واحدة في وقت واحد بين عقارب الساعة الدائرة يخرجونه من مدفنه يرتلون تعاويذ تسترضي عماهم و يمنحونه الحياة عمر وهلة، و النور حد ومضة و أن يعذبهم قيد إبرة..الضمير..
ليلة الجب احتفاء منقوص بضمير مشوه يحيونه أنى شاءوا بطقوس ماء تنكر لهم حد الجفاف.


غِيضَ الماء.. و خرج من بين الحشد رجل يلبس رداءا من ريش ذو لون أحمر و أسود و يضع قناعا بمنقار بارز..ديك هو أم باز، رجل هو أم مخلوق من عوالم سفلية..
منظره لم يسترهبهم و ظهوره لم يفاجئهم، كان بمثابة نقطة توضع آخر فقرة في نص.. كان شهقة التقاط الأنفاس.. هو كان آخر حبة رمل تسقط من الساعة الرملية و يتكلف بقلبها..
الرجل ذو الرداء من ريش يعلن عن بداية حفلة المجون فقد انتهت ليلة الجب..


و تلك القرى..!!

نزهة شكري
نوفمبر 2007

dimanche 30 janvier 2011

فاطمة.. صمت النوايا


(عند الشفق

لا تطوِ الليل لتُعَّجِل بالصباح

الليل عنيد، لن يسمح بسلب حقه،

فيعود أكثر سطوا..

و إن كان الليل نقصا فالنقص

تمام سِيَرِ الأشياء.)

كلانا كان يولي ظهره لقصة دموع و غصة قلب.. يقال أن الأشياء من نفس النوع تنجذب لبعضها.. فأي جاذبية هذه جعلتنا نقرر بعد أسبوع من تعارفنا الارتباط الأبدي؟ جعلتنا نركن للأرض للتراب ندس فيه أسانا.. فلم نختر رملا لا يُنبت زرعا و الذي إن انبت فصبًّار.

لماذا زرعتَ في أرضي بذرة مشوشة حين نبتت و تفتحت زهرتها أسميتَها "فاطمة".

كلانا كان في لحظات شفق، يسدل الستار و يستعجل النهار..

و عند شفق الغروب يلفظ كل ضوء أنفاسه الأخيرة ليجثم ليل ما كنا لنقوى عليه، لأجل هذا خرقنا نواميس الطبيعة و قوانين التعاقب و اكتمال سير الأشياء، و لم نشأ أن نكور ليلنا على نهارنا..فوصلنا شفق الغروب بالشروق. التقينا و طوينا ليل الفراق حتى إذا تفتحت أعيننا أبصرنا حقيقة سميتَها "فاطمة".

رزقنا فاطمة في السنة الأولى لزواجنا، أنت من اختار لها هذا الاسم. وقتها لم أرمقك بنظارات الريبة كما تفعل معظم الزوجات.

و ما جدوى الارتياب في حضور اليقين، فاطمة هي ما أردتَ أن تتركه وراءك فجعلته بيننا.

و ما كنتُ لأعترض أو أعاتبك على منح اسم فاطمة لطفلتنا، فقد كنا هاربين من العتمة، فاستجرنا بالصمت فلنعم المجير. و أقوى أنواع الاتفاق الصمت. صمت لا يشعل الذاكرة بل يتقن تخديرها، الصمت الشيء الوحيد المستقر بيننا و الضامن لاستمرار حياة كحياتنا معا.. و لانسياب أيامنا بسلاسة دون احتجاج و ارتياب و دون تماد لـ "لماذا" في كل ركن من أركانها.

"فاطمة" تميمةٌ لحبيبتك القديمة علقتها على طفلتك ، هروب من النسيان للذاكرة، ذاكرة حية تمشي على قدمين و تكبر كل يوم..

كلما نظرتَ لطفلتنا لمحتُ بريقا في عينكَ لم أعرف يوما إن كان حنينَ رجل لعشق ولَّى أم فرحة أب..

فاطمة، طفلتي التي أيقظت الأنثى فيّ. بل أشعلتها.. أنثى انبعثت من رماد تجربة أطفأها الصمت و وجدان تحرك لزوج تقاسمتُ معه كل شيء إلا قلبي..

أهو بفعل التعود؟ أم لدماثة خلقك؟ أم هو الصمت أول مدارج التأمل..

بل الطبيعة التي لا تحب الفراغ..

كلما كبرت فاطمة ازداد تشظيَّ، حاصرتني الحيرة و أطبق علي الالتباس.. و تشوشت علاقتي بها. فاطمة تثير في مشاعر الأمومة و بذات الوقت مشاعر امرأة. كلما حضنتُها تماهى لي طيف غريمتي. و انتزعتها من بين يديك كلما هممتَ بضمها.

و يزيد ارتباكها و ارتباكنا.. يعظم الصراع داخلي، صراع لا رحمة فيه تتنازعني الأم الودود و المرأة العاشقة. فؤادي مِرجل، تتقاذفني مشاعر حب و كره و عشق و غيرة و غضب و حنو و أسى. و طاحونة فوضى لا تفرز إلا قسوة ترنو بي إلى الجنون.. الجنون اختيار إنساني للـ لا قسوة.

و لكم تمنيتُ أن اقذفها في تابوت و أن اقذفها في يم خوفا عليها من فرعنة و جبروت الأنثى حين تتجلى و تستحكم..

كل هذا و الصمت بيننا ميثاق غليظ و موت مطبق متراكم لا نشور بعده. لاشيء يرأب الصدع و يلئم الجرح غير عاصفة عُتُوها يدمر قلاع الصمت

و أنا أجبن من أن تولد العواصف من رحمي.

فاطمة تجل لليل قديم طويناه فانفرد و استطال سرمدا، طفلتي أيقونة لحبيبتك، ما فطم بيننا و لا شيء يمكنه أن يقوض حماقاتنا المشتركة و المتقاطعة فما كنت لترمقني بنظرة ريبة كما يفعل معظم الأزواج حين قررتُ أن اسميَ مولودنا الثاني ياسر. فما جدوى الارتياب في حضرة اليقين.. ياسر كفاطمة فجيعة لصمت النوايا.

نزهة شكري

خبز من تنور القلب


وسط الدار أمامها قصعة تعجن خبزا..

لم نشهد لحظة الميلاد، لكن قطعا عاينا أمََّا تصنع رغيفا..مشهدان من نفس الطينة، طينة التكوين و الخلق..حيث تتقد حواسها، تتحد مع جوارحها و قلبها لصنع الخبز كأحد أسباب الحياة، تعطيه من دمها حتى خارج رحمها فيكون الأمر مضنيا أكثر و بين عالم أللأسباب و الأسباب حكمة الودود..

تنحني على قصعتها لتصنع خبزا لمائدة الإفطار لرابع أيام رمضان..

تدلك العجين دلكا و معه اعتصر القلب و فاضت المدامع.. وجدانها جذع شجر هرم و أجوف يتردد داخله صدى كلماته حين اتصل صباحا :

- ابنكِ سرقني..

- أخوك

- ابببنكِ سرقني. لم يقنع بعمولته كوسيط في عملية فطمع في بلعها كلها، كان عليه أن يحول لي ما أداه الزبون لكن كرشه كبرت..

- أخوك

إذا كانت كلمة ابنك وحدها تذبح فكم من الأرواح لنا كي تُقبض. و كم لنا من قلب في جوفنا كي نستبدله كلما انفطر. و كم لنا من عمر نبدؤه إذا فني آخرُ في لحظة..

ابني أخوك لم يسرقك بل سرق الحياة من شراييني، أوقد النار في الهشيم، و جعلكم رياحا تذروه.

ابني أخوك لم يمهلني بل استعجل قيامتي و قيامة بيت عنكبوت أبعدتُه طويلا عن مهب الريح و عن الهجير..

- يا عبد الغني يا ابني دعني أحدثه و إن شاء الله سأقنعه برد مالك لك..

- نعم أقنعيه أحسن له- قولي له يعطيني رزقي- و إلا سأكون في الدار البيضاء قبل أذان المغرب..

تلف العجين لفا و كأن بها وجع مخاض و آلام طلق..يا ليتني مت قبل هذا و كنت نسيا منسيا..

يعتصرها الحزن و تذَكُّرُ كلام يزيد يفقأ مآقيها لما طلبت منه إعادة المال لأخيه :

- لن أعطي ابنك شيئا ..

- أخوك.

- ليس لابنك عندي شيء..هو حقي، حقي القديم..

- أخوك.

متى تطاول صرح الدجى، و امتدت جذور الليل تحت مبانينا.. و ما كان في رقعة القلب كلام الجليل حتى تُبقي عليه أرضة الحقد..

الخيمة كانت بلا وتد.. العش نخر في عوده الحسد ولم يُبقي حقا للوالد على الولد..

تَفْرِدُ العجين فردا.. و في العين غيمة. تفرد تاريخا وكل الخطوات. تتسلق جدار الذاكرة و الزمن .. و كانت البداية، بطنان و رحم واحدة.. أولا يزيد و بعده بعام و نصف عبد الغني. و الثدي ذاتها أرضعت. و اليد نفسها حنيت و هدهدت..أطعمت و سقت.. ربتت و واست...

رفيقَا شغب طفولي و شقاوة.. و مقالب مشتركة لا تنتهي، ثم سالكيْن دروب التحصيل و العلم، تقاسما لحظات النجاح و الإخفاق أيضا..كانا يعلقان على أحد جدران غرفتها سبورة سوداء كبيرة يحلان عليها المسائل الرياضية.. كانا بارعين في الرياضيات..

كل هذا أصبح اليوم مجرد رفات.. الإخوة غدوا أعداء.. ألداء..

تُكور العجين، وصل عبد الغني من الرباط..

- أين هو؟ أين ابنك؟.. اليوم سنذبحه.. و على من يريد أن يعيش في خيري أن يمسكه معي سنسلخه كالشاة..

ملتَ يا ابني لمالك و ما همك مآل أمك..

لمن تصوب رماحك؟ و تشحذ سيف عداوتك؟ لمن تحفر قبرا تنصب مقصلة تشنق فيها أسمى المعاني..

الخبز في التنور، اقترب المغيب..وجهها كأنه ورقة اختطف منها الربيع فجأة..القلوب لدى الحناجر.. هكذا هي مساحات الفراغ حين يطبق و الانتظار لما يستبد، حيث كل الأضداد حاضرة ترقب و تستعد للدفاع عن ذاتها و الصراع من اجل وجودها فقط الاختيار الإنساني هو الذي يدحض واحدا و يقيم آخر ..كل الأضداد موجودة بقوة و شراسة: الحب و الكراهية.. السلم و الحرب.. الشر و الخير و سلطانها رهين قرارنا..و توليها فرمان نوقع عليه بإرادتنا.

جاء يزيد.. التقى الجمعان..الفجيعة لا تخلف المواعيد و لا تخطئ الأبواب.

و اشتعل الحريق، التهبت نار الحقد والتهمت كل شيء الأخضر و اليابس، تعب السنين و نصب الليالي..

و كل المعاني..

التهب الخبز في التنور..ابيضت عيناها من الحزن و توسدت الرماد..

وآن أن تجهز للأُخُوَّة غسلا و مرثية و كفنا.

انه الغروب.. ارتفع التكبير من على المآذن، أرضهم كانت أكثر صخبا لتسمع نداء السماء..نداء يعلن للناس نهاية الصيام و معه بداية صيامها عن الفرح.

اليوم لن يأكلوا خبزا فقد استوى على تنور القلب.

نزهة شكري

نواة و الكترونات

على العتبة: الصمود شجرة حتما تنبت في السماء

فيا جذورنا العلوية المبتورة متى الوصل؟..

الفوضى العارمة التي يعيشها العالم و التعقيد الذي يشوب واقعنا و قضايانا و أوطاننا يُشعر المرء بكثير من الغربة مع ذاته لعدم قدرته على الفهم و على استيعاب جوانب كثيرة من الأحداث كما تَحُد من قدرته على التحرك الفاعل والمجدي.

الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة و الاعتداءات السافرة المنافية لكل الشرائع و التشريعات و "الشرعيات"،

انتهاكات حقوق الإنسان الفلسطيني و كل التقتيل و الدمار و الموت الذي تتقنه آلة الحرب الإسرائيلية.

إحساس جماهير العالم العربي و الإسلامي في مشارق الأرض و مغاربها بالظلم و الهوان و الضعف و بكثير من الغضب و الحنق على واقع مرير و سياسات قُطرية متفرقة، ضعيفة، متواطئة، خانعة و عاجزة.

و عالم غربي يرقص على جثة الضحية، لا تحركه إلا مصالحه و لا تعنيه قيم إنسانية، يصمت و يدعم الجرائم التي يرتكبها الإسرائيليون ضد مدنيين عزل في قطاع غزة.

كلها مشاهد بشعة و حلقة مفرغة من صمت و تواطؤ وظلم و خنوع و عجز.

و أمام هذا الواقع المعقد و الفوضوي، أمام هذه الوضعية التي أصبحت مزمنة كلنا تساءل كيف يجب ان يكون شكل حركتنا للتغيير؟

إن الدماء الزكية التي سالت على ارض غزة و كل ذلك القتل و الدمار و العنف كان صاخبا صارخا بما يكفي ليحيي في جماهير الأمة ضرورة فعل شيء ما، و إلزامية تحمل كل فرد منها مسؤوليته التاريخية و الوطنية و الدينية و الإنسانية.

فمن تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة تشَكلُ وعي لدى الشعوب، و أعتقد أن الرأي العام العربي تجاوز شكله السياسي ليرنو لرأي عام تاريخي كفيل بتغيير الواقع على المدى المتوسط و البعيد. لكن تغيير مجرى التاريخ لا يتأتى إلا بجهد مستمر و مكثف و بتحرك موجه نحو أهداف معينة.

المسألة تتعدى كونها غضبة و هبة كرد فعل على اعتداءات إسرائيلية، كانفعال ضد الظلم و انعدام للعدالة في هذا العالم بل هي استثمار للوعي الشعبي و الفردي و حتى المؤسساتي لضرورة العمل على بناء و رسم واقع جديد نصرة للحق و العدل و نصرة لشعوب مضطهدة و مظلومة و مسلوبة الحق و نصرة للإنسان العربي.

إن فعلنا و تحركنا في اتجاه الأهداف التي أسلفت لا يجب إلا أن يكون على شكل الذرة. و ما الذرة إلا نواة و مجموعة إلكترونات بل هي حركة الكترونات حول نواة ما. و الذرة هي كل ما نرى حولنا هي الكون.

أؤمن أنه بغياب نواة و مركز لن تكون لنا حركة منظمة في اتجاه صنع شيء ما. و النواة قد تكون فكرة، شخصية، جماعة، مؤسسة، دولة ... المهم قدرتها على الجذب و التأثير و التعبئة ضمن نظام متقن تماما كالذرة قادر على تحقيق المعادلة بين السالب و الموجب في هذه الأمة.

الذرة ذلك الجزء المتناهي في الصغر يعلمنا الكثير، فالمتناهي في الصغر المنظم يؤسس للكبير العظيم. و بذلك لا نستصغر جهدا و لا نحتقر عملا لبساطته.

و على امتداد الوطن العربي الكبير لا نرى تجليا واضحا و نموذجا لهذه التركيبة إلا في قطاع غزة و فكر المقاومة.

المقاومة نواة يدور حولها الكترونات كثيرة يشكلون ذرة لأمور عظيمة، ما يفعله الإسرائيليون و تحديدا من خلال هذه الحرب هو محاولة بعثرة و تشتيت الالكترونات و إحالتها عن مسارها ألدوراني، يريدون أن يرتد الفلسطينيون عن المقاومة و بذلك يخِلون بتماسك هذه التركيبة فلا تكون هناك ذرة وإنما ضر و ضرر.

اِعتقد الإغريق قديما أن الذرة غير قابلة للانقسام لذلك أسموها "اتوموس" و هي نظرية أُثبت عدم صحتها لكن هناك ذرات لا يمكن أن تنقسم أو تنشطر تلك الموصولة بالسماء، المشمولة بعناية المولى الجليل.

إسرائيل قد تكون دمرت و قتلت و جرفت لكنها قطعا لم تستطع و لم تنجح في اختراق هذه التركيبة و إسقاط المقاومة. فندرك بجلاء أن القوة نواة و الكترونات و إخلاص و وفاء.

و لا أرى شكلا أمثل لتحركنا إلا بهذه الطريقة على أن نجعلها قاعدة في كل ما نقوم به، بدون ذلك سنبقى مجموعة نوى مطمورة غير ظاهرة و الكترونات متناثرة في كل مكان لا تشكل حركة منظمة بل مشهدا عبثيا.


يقال أن الحماقة الكبرى هي أن تفعل الشيء مرة بعد أخرى وتتوقع نتائج مختلفة، و قد حان الوقت كي نغير من تكتيكنا و استراتيجياتنا و ببساطة أن نغير طريقة عملنا، أن نجرب سبلا أخرى مادام كل ما خضناه آنفا فشِل و خاب. أول الطريق "تطهر"، النار أكثر ما يطهر و ما الحرب و النار الإسرائيلية إلا تطهير لكثير منا، تمييز بين الخبيث و الطيب و بداية استواء.

الحرب على غزة لن تكون حتما الأخيرة و ربما البداية، كونها تتوقف لا يعني أن ننسى دورنا في تغيير كل ما حولنا في بلداننا، لذلك العملية هي تحرك يومي و مستمر. كل من موقعه، أيا كان موقعه عليه الإصلاح و التحرك نحو التغيير في كل المجالات برؤية واضحة و موجهة.

إن الذرات تلك العناصر المتناهية في الصغر هي هذا الكون العظيم الذي نراه و كثير مما لا نراه، علينا أن نشكل ذرات، مهما كانت متناهية في الصغر، فهي حتما ستؤسس كوننا و عالمنا، نصرنا و عزتنا يوما.

نزهة شكري

تسعة و عشرون

"آه يا روحي لا تطمحي إلى الخلود بل استنفذي حدود الممكن". طاغور

العاشر من يوليوز مرة الأخرى. لا يخلف موعده أبدا ليسجل في ذاكرة الأيام عمرا ولى.
وحده بياض الورقة قادر على استيعاب هذه اللحظة، وحده يشكل مساحة موت و ميلاد..
و الحبر ترنيمة الوقت على إيقاع الحروف..و لا شيء غير نجوى الكلمات و نشوة الأفكار يرافق بسكينة و حكمة هذا العبور الوهمي و الحقيقي في آن واحد من بوابة الزمن..
هذه تسع و عشرون نبضة بعدد السنين التي ولت من عمري..

1-الوقت

أبدا على حلبة السباق.. لا بد من ضمان حياديته.. في مقصورة المتفرجين

إن جرى معك (ضدك) سبقك إلى منصة التتويج..

2-انتظار

الرتابة غذاء الانتظار ..

فما أكرمنا !..

3-سيرة

أعجب السير سيرة الماء..حركة و سكون، سمو و سقوط، تجلي و استتار..

يقال أننا من ماء..فلماذا ترتبك دورة حياتنا و تأسن أيامنا؟

التراب فينا غلاب..

4-معركة

و غبار المعركة يلفك..تجر جسدك الرث و المتهالك..

أنهك الروح حزن بالانتصار في معركة لم تكن يوما معركتك..

5-رحيل

تخدعنا الأرض بثباتها و هي التي ترحل كل يوم..

من الأكثر صدقا أولئك الذين رحلوا و لم يعودوا أم أولئك "الثابتون" كالأرض..

6-غربة

ليست الغربة حين نرحل بل الغربة حين نعود..

7-ليل و نهار

عندما يصافح الليل النهار و يمضي حقبا، كل إلى حال سبيله ألا يشتاقان للمكوث طويلا مع بعضهما

كي نلتقي علينا أن نكون الليل معا أو النهار معا..

8-حنين

الرسومات البريئة على كراساتي القديمة، طاولة الدرس بفصول المرحلة الابتدائية و الإعدادية..

أشياء ابتعدت حتى فقدت حنينا يليق بها..

9-ظمأ

هناك ظمأ لا تطفئه إلا الدموع..

10-رجل

امتداد يعلمنا العمق..

11-صمود

الصمود شجرة حتما تنبت في السماء

فيا جذورنا العلوية المبتورة متى الوصل؟..

12-أرحام و اكتمال ميلاد

يحدث أن نبكي دون معرفة سبب واضح وملموس للعبرات المنسابة من مآقينا..

تماما كلحظة الميلاد..

ذلك أننا مواليد أرحام و ليس رحم واحدة و كل رحم تسلمنا لعالم أضيق..

13-جنون

الجنون اختيار إنساني للاقسوة على الآخر حين يُقسى علينا..

14-زقاق

كلما نظرت للزقاق من خلف نافذة بيتنا أدركت أني لبث هنا زمنا طويلا..

15-جنوب

قدر الجنوب ثورة.. و إن هبت يوما عليَّ رياح جنوب فتلك بداية ثورتي..

16-نقطة

تختفي "لا" خلف نقطة..

لأجل ذلك نتأخر كثيــــــــــرا في وضعها..

17-شوق

الشوق زهرة تتفتق من حجر غياب بعد حضور

فكيف تكون زهرته من حجر غياب قبل أي حضور؟

أحر الشوق لأشخاص لم نلقهم بعدُ..

18-الدار البيضاء

امرأة ممسوحة العينين..

19-نقص

مشكلة العقلاء أنهم يدركون أن النقص تمام سِيَر الأشياء..


20-أسماؤنا..

الأشياء تأخذ أسماءها بعد أن تكتمل و الإنسان يولد باسم كامل يبحث عن تحقيقه حتى "يكتمل"..


21- مظروف

(((( لن أقول أنك رحلت لأنك لم تأت
و لن أقول أنك لم تأت لأنك ما برحت..

أنت الموعد الذي كان لا بد أن أخلفه..)))))


22-مراودة أمل

يغرينا.. يراودنا الأمل ليوليَّ ظهره فارا.. نقُض قميصه من دبر.. لا هو يتوقف عن الإغواء و لا نحن نستعصم ..

"فجورنا" لا ينتهي..

23-تاريخنا

تاريخنا كأن تقول حبة رمل في صحراء " هنا كان بحر، هنا كان ماء"..


24-بوصلة

و نحن محشورون داخل دائرة..

ما معنى اتجاهات..؟

و ما جدوى البوصلة؟..

25-أجنحة

على الأقل لِنَمُت بأجنحة..

و الموت بحد ذاته أجنحة، الى عالمٍٍ فيه العدالة حتى لمقصوص الجناح..

26-فجيعة

لا نذكر من المطر إلا ما بللنا..

27-امرأة

سوار و خلخال، قرط و عقد... قيود.. بقايا "ما كان" ..

فيا ترى كي لا تنسى أم كي لا ينسى؟

28-قطيعة

أنرتاح حينما نوقع القطيعة باسم القدر؟!..فهنيئا لضميرك على راحته!.

29- حب

افتعاله ليس أقل بؤسا من الكفر به..

نزهة شكري

الصورة انتكاسة للمعنى

جلال الدين الرومي: " و لكن ما الصورة إذا جاء المعنى"

نجسد الحب في امرأة، الحنان في أم، العزوة في أخ، القوة في أوراق مالية، العلم في شهادة و الأمان في رجل..

لنجعل لكل تلك المعاني صورا نمطية، لنختصرها في قوالب و علب، في تماثيل نعبدها، نتباهى بها أو نؤثث بها أركان وجودنا الباهت.

كثيرون لديهم امرأة، أم و أخ. أرصدتهم ملأى، يجمعون الشهادات كالتحف لكن لم يعرفوا الحب يوما و لا الحنان..لا قوة و لا عزة لهم.. أقرب للجهل منهم للعلم..

في المقابل نجد حفاة عراة تملأ ضحكاتهم الآفاق. و تحضرني قصة ملك باحث عن السعادة نُصح بارتداء قميص رجل سعيد و في رحلة بحثه سمع رجلا في كهف يغني فاستبشر خيرا لكن الرجل لم يكن يلبس قميصا.

نحن في هذه الدنيا فريقان: فريق يملك صورا غالبا ما تكون مجردة من المعنى و فريق يملك المعنى مجردا، و كل فريق بما لديه غير فرح.. لأننا مجتمعات تهتم بتجميل صورتها، تحرص على واجهتها مهما اعترت البشاعة ما وراء أبوابها فنجبر على دخول دوامة بحث مضن عن تلك الصور والقوالب و التماثيل و نتعب بعد الحصول عليها فحين يفضي كل منا إلى نفسه لا يمكن أن تخدعه صور.

ننهزم أمام صورتنا و لن تكون الصورة بديلا للمعنى و تبقى عاجزة عن تأطيره..

الأسمى لا جسد لا صورة له، و إن تمثل فهو محتجز رهين و سجين مادة ما..

كيف يُجَسَّد ضوء النهار؟ هل للهواء صورة؟ و الروح.. أيكون الطين صورة لها؟.

و لأجل هذا أعتقد أنه نهي في ديننا عن التمائم مثلا و اتخاذ المصحف الشريف حرزا يعلق...و ليس في الإسلام كهنوت فالمعاني السامية تضيعها الصور..

كي لا أمثل الطرف المتطرف من القضية أقول أن الفيصل هو نمشي على اثر المعنى أولا و لتأتي الصورة بعد ذلك و أن لا نتحول إلى عابدين لها.

للباحث عن الصورة اعلم أن الصورة ليست حتما تلك القوالب الجاهزة السائدة النمطية و لكل باحث عن المعنى المعنى هو ثورتك على الصورة التي بين يديك.

عني أؤمن أن المعنى هو كنه الوجود لكن هذا العالم لا يعترف إلا بالصور و لأن الوفاء فيها قليل سأظل انهزم أمام صورتي مرة بعد أخرى.

عند العتبة/ قبل الخروج: أينكسر القمر؟!

ينكسر على صفحة ماء

فقط الصور هي التي تنكسر




نزهة شكري

السياسة..عاصفة


سمعت طرقا قويا و شديدا على باب الوطن..

قلت من هناك؟
وصلني صوت من ورائه يقول: عاصفة سياسية افتحي..
مشدوهة.. فاتحة عينيَّ حد الجحوظ قلت: أنتِ عاصفة لماذا أفتح لك.. كسري الباب و نحني ..

ردت بسخرية : أنا عاصفة سياسية ولست إعصار كاترينا.. يا مواطنة..أي نعم أنا عاصفة و بإمكاني تهشيم الباب الفاصل بيننا لكن هكذا هي السياسة.. يجب أن تضعي يدك على قبضة الباب و أنا أتولى الباقي..

السياسة في الغرب، في البلدان المتقدمة، طُوعت لتدبير شؤون الإنسان. فمجموع القرارات و الإجراءات المتخذة من طرف مؤسساتها و رجالاتها تهدف أساسا إلى تحسين ظروف عيش المواطن و حفظ حقوقه و كرامته حتى لو قيمناها سلبا على المستوى الأخلاقي و ألقيمي.

أما عندنا فالأمر مختلف تماما، السياسة عندنا مقترنة بعاصفة حتى لو ارتدت لباس أو لبُس الهدوء.

السياسة في العالم العربي لا تفعل شيئا سوى توريطنا في إخفاقات الأوطان. فحتى حين تقام انتخابات و استفتاءات و حتى عندما نمثل أننا "ديمقراطيون" و "ديمقراطيات" فدائما السياسة عاصفة.

الانتخابات الأخيرة في المغرب، تعديل الدستور في مصر، أوضاع لبنان و فراغه الرئاسي، فلسطين بعد دخول حماس المعترك السياسي، الجزائر، كينيا، زمبابوي...كلها أمثلة جلية و مُجَلية.


السياسة في الوطن العربي و في العالم الثالث عموما فعل سلطة و ليست فعل قانون، و ستبقى العلاقة بين السياسة و القانون معقدة إلى أن تنجح الشعوب في جلب طبقة سياسية إلى الحكم قادرة على وضع أسسو قوانينَ تروض كل السياسات التي من شأنها العصف بالإنسان في أوطاننا و تقف في وجه كل سياسي لا يرى في الممارسة السياسة إلا التسلط.

و هنا أعترف بخطئي التاريخي و خطأ الكثير من المغاربة في عدم المشاركة في الانتخابات الأخيرة، فقد كان حريا بنا المحافظة على مكتسباتنا الديمقراطية و مواصلة ما بدأه الجيل الذي سبقنا حتى لو انعدمت الثقة، حتى لو شعرنا باليأس فوحدها المحاولة مرة بعد مرة هي التي تشق طريق التغيير، قد نفشل كثيرا لكن لا بد أن ننجح يوما.

و تتجلى أمامنا حقيقة بالغة الأهمية، أن لا وجود لنخبة سياسية قادرة على صياغة قوانين و بناء مؤسسات دون أن يمتلك الشعب وعيا سياسيا، دون إلمام بالواقع السياسي الداخلي و الخارجي و دون معرفة بمجريات الأحداث و القدرة على نقد المستجدات بحس من المسؤولية و رغبة في التغيير.

و جدير بالذكر أن الوعي السياسي لدى الشعوب يُصنع، و هذا دور كل من الأحزاب، الدعاة، الفنانين، وسائل الإعلام، المناهج التعليمية، الدولة و دور الفرد كذلك. فمن يتخلى من هؤلاء عن مسؤوليته التعبوية و التواصلية يبقينا في مدارات العواصف السياسية.

فأن نجلس على طاولة مفاوضات، أن نوقع على اتفاقيات و معاهدات، أن نذهب للتصويت و نلامس الصندوق الشفاف و نلطخ إبهامنا بالحبر غير الشفاف، أن نضع يدنا على قبضة باب الوطن حين تطرقه عاصفةسياسية لا يجب إطلاقا أن يكون عن جهل أو ضعف و إنما عن وعي و برؤية شاملة.


نزهة شكري