samedi 6 août 2011

ليلة الجـُّـب






إنها ليلة اكتمال القمر بدرا في شهر من شهور السنة بتقويم غابر.. ليلة منتظرة كتلك المقدسة في شرائع ما..
الليلة هي ليلة الجب و الحكايات.. ليلة تجتمع فيها القبيلة لتمارس أقدم طقس على الإطلاق.. و لهم فيها مآرب أخرى..


القمر تربع على عرش السماء.. الحشد ملتفون حول جب القرية حلزونيا.. و الكل يغمغم بأشياء و أحاديث لا تكاد تنتهي..


كل واحد يروي للجب حاله و مآله.. حديث السنوات العجاف و الأخرى السمان، يرمون بقصصهم في جوف الجب ليتخلصوا منها.. تهوي حصى أو حجرا أو صخرا كبيرا يُسمع ارتجاجه، مصافحته أو لطمه لمياه الجب كما لطم ساعة الحدوث أصحابَها..


ينكثون ما غزلوا من خطايا: زنا العقل، خيانات الأرض و العرض، و فواحش القهر..غزلوها بمغزل الكتمان و المواراة لليلة كهذه.. فيها ينفض السواد الكامن و المتمكن في دواخلهم..


القمر في عليائه يَمُدّّ لحظات الرضا و الراحة و يزجر أيام الشقاء النفسي و الألم كما يفعل بمياه البئر.. لتعلو و تعلو و تفيض فيتوقفون، يستكينون و يهدؤون..
لقد ناء الجب بحِمل كوارثهم، جرائمهم و عذابات ضمائرهم.. كيف حَوَتْ صدورهم كل ذلك الغيظ و الفيض من المآسي الإنسانية؟ كيف حيا الظلم و سكنت المَظْلُمات داخل قلوبهم؟..


فاض الجب و هي اللحظة المنتظرة، الطقس في أعلى مراجله.. صمت مهيب خيم و سكون بعد "عناء" الاعتراف و المكاشفة. أبدوا سوءاتهم مع سبق اصرار و كامل إرادة..
و مرة واحدة في وقت واحد بين عقارب الساعة الدائرة يخرجونه من مدفنه يرتلون تعاويذ تسترضي عماهم و يمنحونه الحياة عمر وهلة، و النور حد ومضة و أن يعذبهم قيد إبرة..الضمير..
ليلة الجب احتفاء منقوص بضمير مشوه يحيونه أنى شاءوا بطقوس ماء تنكر لهم حد الجفاف.


غِيضَ الماء.. و خرج من بين الحشد رجل يلبس رداءا من ريش ذو لون أحمر و أسود و يضع قناعا بمنقار بارز..ديك هو أم باز، رجل هو أم مخلوق من عوالم سفلية..
منظره لم يسترهبهم و ظهوره لم يفاجئهم، كان بمثابة نقطة توضع آخر فقرة في نص.. كان شهقة التقاط الأنفاس.. هو كان آخر حبة رمل تسقط من الساعة الرملية و يتكلف بقلبها..
الرجل ذو الرداء من ريش يعلن عن بداية حفلة المجون فقد انتهت ليلة الجب..


و تلك القرى..!!

نزهة شكري
نوفمبر 2007